!
المهاجر السوداني ... مهاجر ومغترب فاشل
غربة المهاجر السوداني مزدوجة ما بين ذاته والمجتمع الجديد
تخويف الأطفال بالرجوع للسودان!
حوار مع د. حيدر إبراهيم مدير مركز الدراسات السودانية
د· حيدر بصفتك الأكاديمية شرعت (الحرية) في فتح
ملف (الاغتراب) بمفهومه العام. وقد رأت (الحرية) بأنك الشخص المناسب
لفتح هذا الملف ونبدأ نسأل عن الآثار المترتبة على الآسرة المهاجرة؟
منذ البداية أود تصحيح المصطلح فهو ليس اغتراب وإنما
اغتراب قسري وفي اعتقادي بان ما تم منذ نهاية الثمانينات في القرن
الماضي وحتى الآن كان تهجيراً قسرياً لعناصر حية ونشطة بالنسبة للسودان
كمجتمع ودولة. وهذا من الأشياء الغريبة في نظام الإنقاذ بان يساعد
علي تفريغ السودان من كوادره المؤهلة ولا بد لنا أن نتوقف عند هذه
الظاهرة مهما كانت ممارسات السلطة الحالية برفع شعار الانفتاح والحرية
ولكن في اعتقادي بان مفهوم الإقصاء عن الوطن ما زال موجوداً فالقضية
ليست عودة للوطن بقدر ما هي الرجوع للوطن والإحساس بأنك مواطن حقيقي
بمعني أن لا تكون الوظائف مختصرة علي الكوادر المنتمية أو المتعاطفة
مع (الإنقاذ) كذلك حرية العمل محتكرة حتى علي صعيد العمل الخاص.
ولهذا فان كل هذه الصيرورة مندمجة مع بعضها البعض أدت في النهاية
إلى ظاهرة الاغتراب القسري ومن المؤلم أن هناك أصوات تشيد وتثمن
من ظاهرة الاغتراب وتعلن بصراحة أن السلطة نجحت في تشتيت اليسار
أو اليمين تشتيتاً لم يحدث من قبل. إذن الظاهرة التي ندرسها ونتناولها
الآن ليست ظاهرة اغتراب لان الاغتراب بمفهومه العام له إطار عام
يترك حيز للاختيار.
لكن يا دكتور إذا كنت مثقفاً وتدرك كل تلك الحقائق
فلماذا لا تتمسك بالبقاء في وطنك ؟
لنكن واقعين ونقول عندما تفصل من العمل بالإضافة إلى ممارسات أمنية
كثيرة لازمت الفترة الأولى من عمر الإنقاذ وفي اعتقادي بان تلك الممارسات
كانت أحد الآليات للتهجير القسري بجعل السودان جحيماً لا يطاق وفي
السودان صاحب العمل أو المشغل الأساسي هو الدولة وكل المتعلمين تقريباً
مرتبطين بالخدمة المدنية حتى (السوق) قفل أمام الآخرين غير المنتمين
لتيار سياسي معين. فكيف يستطيع الإنسان أن يعيش علي المستوي المادي
ولنترك كل المجالات الأخرى. وفي اعتقادي فلسفة الرعب التي أشاعها
النظام في أيامه الأولى كان مقصودا منها تخويف وترويع الناس ولهذا
تم إبعاد العديد والكثير من الكوادر جغرافياً ونفسياً عن الوطن.
فليكن ذلك البعد السياسي
ما هو الأثر الاجتماعي المترتب علي الاغتراب؟
بداية الإنسان السوداني ليس مهاجراً جيداً فالإنسان السوداني ممعن
في المحلية وشللي ولا يملك القدرة علي الانفتاح فهو يحترم الغرباء
ويتعامل معهم بسلوك راق وعال ، لكن التعامل مع ثقافة الغريب قليل
أو يكاد أن يكون معدوماً فما زالت العشائرية والقبلية تسيطر عل سلوك
الإنسان السوداني. فكيف يمكن للسودان يقفز فوق كل تلك السلبيات ويتفاعل
مع المجتمع الأوروبي أو الأمريكي مثلاً. فالسوداني يهاجر بكل مورثاته
ويحاول جاهداً أن يتعايش معها وبها بالمهجر. والمجتمع الأوروبي أو
الأمريكي لا يتيح له تلك الفرصة لذلك نجد المغترب السوداني يعيش
اغتراب حقيقي لعدم مقدرته علي التكيف مع الجديد في المقابل نجد المهاجر
الصيني أو الهندي أو حتى اللبناني يعلم ويدرك جيداً ماذا يريد من
الاغتراب لذا نجده بسرعة قياسية يتأقلم مع الثقافة الجديدة وينصهر
ويتلاحم مع المجتمع الجديد. لهذا فالمهاجر السوداني بتلك الرواسب
الثقافية غير الحديثة والتقليدية (المهاجر السودان يحمل دائماً معه
الشرموط الناشف والشطة والتمباك ···؟) مع الماكينة الرأسمالية التي
لا ترحم ومهما حاول المهاجر السوداني المقاومة فحتماً مصير تلك المحاولات
الفشل الذريع والادهي الابشع يعتبر المهاجر السوداني بأن كل تلك
الممارسات هي الهوية السودانية الأصيلة وحتى علي صعيد العلاقات الاجتماعية
بين السودانيين أنفسهم نجد علاقات (القطيعة) والشللية والاهتمام
بخصوصيات الآخرين ونتيجة كل تلك المعطيات هي أن تكون غربة المهاجر
السوداني غربة مزدوجة فلا يستطيع التأقلم مع الجديد ولم يحمل من
الموروث السوداني ما هو افضل واعظم. فالمهاجر السوداني هو الأكثر
تعاسة بين مهاجري كل العالم. جميل ذلك علي مستوي رب الأسرة ، ولكن
هناك الأسرة نفسها من أطفال وزوجه فما هو الأثر الاجتماعي علي الأطفال
واضعين في الاعتبار برنامج الأمم المتحدة المسمي بإعادة التوطين
في أمريكا الشمالية واستراليا بالتحديد؟ هذه الفئة من المهاجرين
هم اكثر الخاسرين ، لان الأسرة ستكون بلا أب والبديل هو التلفزيون
والمدرسة والمجتمع (خاصة الجيرة والشارع) غياب الأب يعني غياب التوجيه
والإرشاد واكثر الأبناء تأثرا هن البنات ولا يغيب عن البال مؤسسة
الحبوبه في الأسرة المغتربة بالرغم من دورها السلبي في بعض الأحيان
بحكايات الأساطير والخرافات لكن بالرغم من ذلك تلامس قدراً واضحاً
من حركة الانتماء وقدراً كبيراً من قيمة الأسرة المتماسكة فالأطفال
في المجتمعات الغربية يفقدون كل المرجعية التي قد تشكل شخصية سوية
تعرف معاني الخير والشر · المشكلة يا دكتور هؤلاء الأطفال بافتراض
عدم إطالة اغترابهم بالخارج سيعيشون اغتراباً بالداخل حين يرجعون
إلى السودان بالتأكيد لكن في الغالب الأعم أمثال أولئك الأطفال لا
يرجعون إلى السودان لطبيعة التربية الخاطئة من جانب الأب والأم ودع
الأطفال في المجتمعات الغربية حتى الأطفال في دول الخليج يتحدث إليهم
الآباء عن السودان وكأنما هو (البعبع) وذات مرة سمعت أب يهدد أطفاله
بأنه سوف يرجع بهم الآن للسودان!! بالإضافة إلى النقلة الحضارية
الهائلة ما بين الغرب والسودان خاصة في مجال الخدمات وهناك خاصية
هامة وحيوية بالنسبة للطفل هي ضرورة ترسيخ مفهوم الوطن بصورة ثابتة
وليس مجردة بان السودان هو الوطن العظيم والكبير ···و···و· في النهاية
يترسخ المفهوم الغربي أو الأمريكي في ذهن الطفل حتى العودة للوطن
أثناء الإجازات بمرور الزمن سوف يضمر مفهوم ا لوطن في ذهنية الطفل.
نحن الآن أمام معادلة صعبة ·· فلا يمكنك الحد من حرية التنقل للمواطنين
وفي ذات الوقت تريد ارتباط تلك الفئة بالوطن فما هو دور الأحزاب
والمؤسسات في حماية السودان من الهجرة أو اللجوء ؟ بصراحة شديدة
كل تلك المؤسسات غير مؤثرة وهي مؤسسات ضعيفة ومحدودة الأثر ومؤسسات
موسمية ولا تظهر علي سطح الحياة إلا في فترات الانتخابات فإذا كانت
تملك قوة التأثير لمنعت وحافظت علي تلك الكوادر من الهجرة فمثلاً
في تجربة الجبهة الوطنية المعارضة لنظام نميري العديد من الكوادر
لم تهاجر لأنها كانت تمتلك كل وسائل الحياة الطبيعية بالوطن لكن
كيف تبدو الصورة الآن كل الأحزاب بلا استثناء مهدت الترشيحات والطلبات
لمساعدة كوادرها علي الحصول لحق اللجوء السياسي وتخيل حال صورة السودانيين
الذين هاجروا من مصر في غياب حق اللجوء السياسي الذي منح لهم ، الصورة
كانت حتماً وقطعاً تحولهم إلى جوقة من الشحاذين بطرقات القاهرة إذن
كان المطلوب من الأحزاب توفير الحماية (وليس بمعني المنع) حتى يتمكن
الكل من التمتع بحياة طبيعية · في غياب الإحصاءات الدقيقة حول عدد
المستفيدين من برنامج ( إعادة التوطين) ليس هناك من مبادرة حكومية
أو حتى شخصية لمعرفة أوضاع تلك الفئة بالولايات المتحدة الأمريكية
واستراليا وكندا ؟ لا أستطيع الجزم بان هناك مبادرة حكومية تجاه
تلك الظاهرة لكن دعني أتناول ظاهرة المهاجرين من كانت لهم صلة بمركز
الدراسات السودانية بالقاهرة كل الذين سافروا أكدوا بان صلتهم بالمركز
لن تنقطع وسوف يواصلون الكتابة ولكن في واقع الأمر انقطعت الصلة
تماماً ما عدا لما ماً واختصرت علي الجوانب الاجتماعية وهذا ناتج
عن تراكمات كثيرة بدءاً من ترك الوطن والهجرة إلي مصر ومن بعد اللجوء
إلى أمريكا أو كندا ··· ما أود قوله هو أن اللاجئ في نهاية الأمر
إنسان ومع مجمل ألا خفاقات يفقد القدر علي التفكير السليم ويصبح
آلة ترس في آلة المجتمع الغربي ··واعتقد (أرجو أن كون مخطئاً) سينتهي
به الأمر في نهاية المطاف مهموماً بهموم المجتمع الغربي ويتلاشى
الهم السوداني.
هل لمركز الدراسات السودانية رؤية محددة لمعالجة
هذه الظاهرة ؟
يمكن الإجابة بنعم علي الإطلاق ··· فالمركز يضع علي قمة أجندته أن
يصل كل إنتاجه إلى المواطن السوداني في الغربة والهم الثاني بان
كل الندوات وورش العمل التي ينظمها تتناول في مجملها قضية التنمية
وبالتأكيد هنا يبرز دور السودانيين بالخارج واسهامهم في عملية التنمية
وما هو حجم مساهماتهم مثال اللبنانيون بالمهجر في مشروع إعادة بناء
لبنان. لكن ومع للأسف الشديد إلى هذه اللحظة لم نتناول بصورة منظمة
دور المهاجر السوداني في عملية التنمية والسلام. بمعني غياب المؤسسات
التي تمتلك القدرة علي التحرك.
د· حيدر إذا طلب منك وضع محاور لدور المعارضة
الخارجية ماذا تضع؟
المعارضة الخارجية دائما مؤقتة للغاية ، بمعني يجب أن لا يتجاوز
عمرها اكثر من سنتين لن تكون معارضة فاعلة في اعتقادي فترة العاملين
تلك تهيئ المعارضة للملمة كوادرها وترتيب أوضاعها وتعود للوطن وفي
اعتقادي هذا لم يحدث بالنسبة للمعارضة السودانية · وذلك يرجع لعدة
أسباب: أولاً: تبني المعارضة فكرة هشاشة نظام الإنقاذ وبالتالي سقوطه
السريع ولذلك لم يكن هناك فعلاً جاداً لمعارضة الإنقاذ. ثانياً:
كل أطروحات المعارضة وإسهاماتها كانت تنصب حول ما بعد إسقاط نظام
الإنقاذ، حتى مقررات مؤتمر اسمرا 1995م فالمعارضة السودانية بدأت
خاطئة وما زالت تسير في الطريق الخطأ فهي تسير شرقاً وهدفها غرباً!
ثالثاً: وجود هياكل ضخمة داخل جسم المعارضة، ولكنها هياكل فارغة
بدون مضمون ولا شعبية فتجد بان الوثيقة وقع عليها 20 حزباً ومن تلك
الأحزاب العشرين 18 حزب بدون جماهير!! أنها مسرحية فجة من مخلفات
النظام الشمولية والاشتراكية منها بوجه الخصوص فالمعارضة الحالية
تعمل بدون تفعيل جماهيري حقيقي ومن وجهة نظري الشخصية المطلقة أرجو
من الصحفيين السودانيين عدم تضيع وقتهم في توجيه الأسئلة للقادة
السياسيين الحاليين لان إجاباتهم ستكون مكررة وقيلت من قبل عقد ونصف
من الزمان. فكل الأحزاب السياسية المعارضة الآن لا تملك الجديد الذي
يمكن طرحه علي الجماهير فإذا كان لديها الجديد الجاد عندها اسألوها!!
نقلا عن الحرية