تنفض ندوات وتنعقد اخرى حول موضوع الدمج الاجتماعي
للاجانب. ومع ان الاجانب هم محور القضية فان كل هذه الضجة تجري بعيدا
عنهم وفي غيابهم. ولذلك فان السؤال الطبيعي هنا هو هل يمكن دمج الاجانب
اجتماعيا بدون مشاركتهم؟
قبل الاجابة على هذا السؤال ينبغي ان نجيب على سؤالين آخرين مهمين
الاول: ما هو المقصود بعبارة الدمج الاجتماعي؟ والثاني: كيف يمكن
ان يشارك الاجانب في اجراء من هذا النوع؟
في الواقع فان قضية الدمج الاجتماعي ليست جديدة لكنها اخذت في الاونة
الاخيرة ابعادا كبيرة بعدما برزت قضية الهجرة والمهاجرين كقضية مركزية
في سياسات الاتحاد الاوربي بسبب ما يقال عن ارتفاع عدد المهاجرين
واللاجئين في دول الاتحاد. وزاد من الاهتمام بها نجاح عدد من الاحزاب
اليمينية المتطرفة في زيادة قوتها، في بعض دول الاتحاد كايطاليا
وفرنسا وهولندا والنمسا.. الخ، بعد ان رفعت شعار معاداة الاجانب.
وامام هذه الصدمة سارعت الاحزاب الاشتراكية والمحافظة على الاتفاق
على خطين لمواجهة القضية، وهي تشديد قوانين الهجرة للقادمين الجدد
من المهاجرين من جهة، واتخاذ اجراءات لدمج المهاجرين الموجودين بصورة
قانونية داخل مجتمعات دول الاتحاد من جهة اخرى. وقد خصصت مبالغ ضخمة
من اجل هذا الغرض بعضها قادم من صناديق الاتحاد، وبعضها من المصادر
المحلية لكل دولة. وتعتقد الاحزاب الحاكمة الان انه بامكان هذه المعالجة
ان تحاصر التيار اليميني المتطرف وتفقده اي امكانية لكسب مؤيدين.
لكن ماذا تقصد الحكومات الاوربية واليونان واحدة منها، بعبارة الدمج
الاجتماعي؟ هل يعني ان نتخلى عن حضارتنا وتقاليدنا ولغتنا ونصبح
يونانيين؟
حسب التعريف الذي قدمته المحامية ايوانا كورتوفيك امام ندوة للمنتدى
اليوناني للمهاجرين يوم الاحد الماضي بحضور ممثلين من احدى عشرة
جالية، هو المشاركة المتساوية في التعامل مع مؤسسات الدولة مع مواطني
البلد فيما يتعلق بالحقوق والواجبات. ولمزيد من التفسير اوضحت ان
الحقوق بالنسبة للاجنبي تنقسم الى اربعة انواع، هي الحقوق الفردية
كالتمتع بالحماية والامن وحرية التعبير وممارسة الشعائر الدينية،
ثم الحقوق الاجتماعية كحق العمل والتعليم والصحة والسكن.. الخ، ثم
الحقوق الثقافية ومعناها حق الاجنبي في المحافظة على تراثه وتقاليده
ولغته... الخ، واخيرا الجماعية وهي مجموعة جديدة من الحقوق برزت
في حقبة الستينات، ومعناها حق المهاجرين كمجموعة واحدة في التمتع
بحق التماسك الاجتماعي والسلام والطمأنينة.. الخ. غير ان تمتع المهاجرين
بهذه الحقوق المنصوص عليها في عدد من المواثيق والقوانين المحلية
والاوربية والدولية مشروط بأن يحترم هو من جهته واجباته على الدولة
والمجتمع من جهة القوانين وحفظ سلامة وامن البلد التي تستضيفه. هذا
اذن هو الدمج الاجتماعي المقصود وهذا يقود الى السؤال: كيف ان يمكن
ان يشارك المهاجرون في هذا الموضوع خصوصا، وانه يمثل الجزء الثاني
من قانون الهجرة الجديد؟
اذا كنا قد درجنا نحن ممثلي الجاليات على انتقاد ما نراه من اخطاء
ومعوقات في القانون الجديد الذي يطبق حاليا، فان الموضوعية تقتضي
ان نذكر ايضا اننا نعاني من مشاكل داخل جالياتنا، الامر الذي يثير
الكثير من المعوقات ويضع الحواجز امام اي امكانية لكي نشارك بفعالية
في هذه القضية الهامة التي لا شك في انها ستلعب دورا مهما في حياتنا
وحياة ابنائنا ممن قدر لهم ان يولدوا وينشأوا هنا.
اولى هذه المشاكل ان جالياتنا تعاني من ضعف داخلي كبير، فقياداتها
المنتخبة تتغير بسرعة وتبدأ دائما من الصفر في كل مرة، والعلاقات
بين القيادات والاعضاء ضعيفة، لان الجاليات لا تملك وسائل اعلام
داخلية كالنشرات مثلا كي تشرك الجميع في النشاط العام، واغلبها ينحصر
نشاطه في تنظيم المناسبات الاجتماعية، بينما عملها الاساسي هو مراقبة
قوانين الهجرة والمطالبة بتحسينها لتحسين اوضاع اعضائها.
ثاني العقبات هو ان اغلبية القيادات لا تعرف لغة البلاد بالصورة
الكافية التي تمكنها من متابعة الندوات والاجتماعات التي تنعقد في
كل مكان خاصة المصطلحات التي يستخدمها المسؤولون وغيرهم من نشطاء
العمل الاجتماعي.
ثالثا اغلبية قيادات الجاليات غير مدربة على عمل الجمعيات الاهلية
والمنظمات غير الحكومية، على الاقل حسب النموذج الاوربي الذي يتبعه
اليونانيون، وما زالت هذه المشكلة تفقدنا الكثير من الفرص او التأثير
على قانون قبل صدوره مثلما تفعل المنظمات في دول اخرى.
في ظل هذه المشاكل ستبدأ الدولة من خلال جهات كثيرة في تطبيق سياساتها
الخاصة بهذا الدمج، ومن اموال المهاجرين انفسهم (خصصت الحكومة حاليا
مبلغ 260 مليون يورو لهذه العملية وهو مبلغ مقتطع من رسوم الاقامة
التي دفعها المهاجرون).
ويضاف الى هذه المشاكل المناخ والظروف التي سيطبق فيها هذا البرنامج
واهم ميزاته الحقائق التالية:
1/ ان قانون الهجرة الساري حاليا غاية في التعقيد وما زال يعاني
من مشاكل كثيرة تعيق تطبيقه.
2/ ان قضية الدمج التي ستعتمد اعتمادا كليا على الارشاد والمعلومات
الصحيحة ستبدأ في غياب اي مصدر لتوجيه وارشاد المهاجرين.
3/ ينعدم لدى الدولة اي شعور بالثقة في المهاجر كانسان، وكطرف رئيسي
مشارك في عملية التنمية الاقتصادية والثقافية في المجتمع.
4/ ان الكثير من السياسيين باستثناء اقلية صغيرة تحصر قضية الهجرة
والمهاجرين في مجالين فقط، هما مكافحة التسلل والجريمة، الامر الذي
يزيد من تعقيد المسألة.
5/ اجهزة الاعلام ما زالت تتخذ موقفا سلبيا من المهاجر.
6/ ما زال الباب موصدا امام الاجانب للمشاركة في اي مستوى من مستويات
اتخاذ القرار حتى ولو على المستوى الاستشاري.
7/ واخيرا مشكلة المشاكل وهي ان الدولة نفسها تمارس علنا التفرقة
في سوق العمل، حيث تحرص على تنفيذ القانون بالكامل وبدون رحمة على
المهاجر، بينما لا تفعل شيئا ازاء اصحاب العمل الذين ينتهكون قانون
الهجرة بامتناعهم عن التعيين القانوني، والالتزام بحقوق التامينات
الاجتماعية. ولا حاجة للقول ان العمل علاقة بين طرفين لا يمكن ان
تستوي من دون ان يقوم الطرفان بواجباتهما.
امام هذا الوضع اتفقت الجاليات التي اجتمعت يوم الاحد الماضي في
اطار (المنتدى اليوناني للمهاجرين) على النقاط الاربع التالية:
1/ لا يمكن ان تثمر اية سياسة للدمج الاجتماعي ما لم تكتمل اجراءات
التقنين الجارية حاليا، وازالة جميع العقبات الماثلة امام تطبيقه.
فالاحساس بالاستقرار والطمأنية والامان والعدل شروط اساسية كي يستطيع
المهاجر ان يودي واجباته تجاه الدولة من جهة ومحاولة الحصول على
حقوقه من جهة اخرى.
2/ وجود حاجة ماسة لتسجيل مشاكل المهاجرين بدقة وبصورة جماعية موحدة
كاساس للبحث عن حلول، ولابد ان تكون الجاليات طرفا اساسيا في هذه
المهمة.
3/ ينبغي على الجاليات ان تواصل الدعم والمساعدة لكل الجهود الفردية
التي تجري من بعض المنظمات والهيئات والشخصيات المهمة لايجاد حلول
للمشاكل العالقة كاتحاد المحامين مثلا.
4/ ان اهم الخطوات جميعا هي ان تحرص الجاليات على وحدتها، وان تعمل
بصورة جماعية بتنسيق وتخطيط واطلاع ومعرفة، وان تكون هي المبادرة
بالمقترحات والاراء، والمطالبة بالمشاركة على كل المستويات التي
تناقش فيها قضية المهاجرين.
ان نظرة سريعة على هذه النقاط كافية كي توضح مدى ضخامة المسؤولية
الملقاة على المهاجرين جاليات وافراد. ورغم ان مجرد قيام الجاليات
بعقد الندوة وصبرهم على النقاشات الطويلة وتوصلهم الى ما توصلوا
اليه من اتفاق، الا ان المحك سيظل دائما هو مدى استعداد الجميع ممثلين
وافراد في التضحية بالجهد والمال والوقت والصبر الطويل لتنفيذ ما
يتفق عليه.
نعي اليم
تنعى الجاليات السودانية والمغربية واتحاد العمال والشغيلة الفلسطينيين
باليونان المغفور له الدكتور ماجد الصفدي (فلسطيني) الذي استشهد
في حادث سقوط طائرة الاسعاف السريع وهو يؤدي واجبه الانساني في منطقة
شرق بحر ايجة. الا رحم الله الفقيد والهم آله وذويه الصبر والسلوان.
انا لله وانا اليه راجعون
معاوية محمدين احمد / 15 فبراير 2003